إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
259
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
فَوَضَعُوهُ عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ أَبَدًا مُفْتَقِرَةٌ إِلَى شَرْحٍ ( 1 ) وَبَيَانٍ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ ، إِمَّا بِالْمُشَافَهَةِ أَوْ بِالنَّقْلِ مِمَّنْ شَافَهَ الْمَعْصُومَ ( 2 ) . وَإِنَّمَا وَضَعُوا ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُمْ بَادِيَ الرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ وَلَا نَقْلِيٍّ ، بَلْ ( 3 ) بِشُبْهَةٍ زَعَمُوا أَنَّهَا عَقْلِيَّةٌ ، وَشُبَهٍ مِنَ النَّقْلِ بَاطِلَةٍ ، إِمَّا فِي أَصْلِهَا ، وَإِمَّا فِي تَحْقِيقِ مَنَاطِهَا . وَتَحْقِيقُ مَا يَدَّعُونَ وَمَا يُرُدُّ عَلَيْهِمْ بِهِ ( 4 ) مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْأَئِمَّةِ ( 5 ) ، وَهُوَ يَرْجِعُ فِي الحقيقة إلى دعاو إذا ( 6 ) طُولِبُوا بِالدَّلِيلِ عَلَيْهَا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ، إِذْ لَا بُرْهَانَ لَهُمْ مِنْ جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ . وَأَقْوَى شُبَهِهِمْ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافِ الْأُمَّةِ ( 7 ) ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وَاحِدٍ يَرْتَفِعُ بِهِ الْخِلَافُ ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } ( 8 ) ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا إِذَا أُعْطِيَ الْعِصْمَةَ كَمَا أُعْطِيَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لأنه وارثه ( 9 ) ، وإلا فكل محق ومبطل ( 10 ) يَدَّعِي أَنَّهُ الْمَرْحُومُ ، وَأَنَّهُ الَّذِي وَصَلَ إِلَى الْحَقِّ دُونَ مَنْ سِوَاهُ ، فَإِنْ طُولِبُوا ( 11 ) بِالدَّلِيلِ عَلَى الْعِصْمَةِ لَمْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ ، غَيْرَ أَنَّ لَهُمْ مَذْهَبًا يُخْفُونَهُ ، وَلَا يُظْهِرُونَهُ إِلَّا لِخَوَاصِّهِمْ ، لأنه كفر محض ودعوى بغير برهان ( 12 ) .
--> ( 1 ) في ( م ) و ( ت ) و ( خ ) : " شرع " . ( 2 ) قال الشيخ محمد رشيد رضا معلقاً : " كذا والمعنى إما بالمشافهة من المعصوم ، وإما بالنقل ممن أو عمن شافه المعصوم ، ولكن الذي ينقل عمن ينقل عن المعصوم مشافهة مثله ، مهما تعدد لا تعتبر فيه إلا الثقة بفهمه ونقله ، لأن من شافهه كمن شافه من شافههم ، كل منهم غير معصوم ، فيكتفي منه بالعدالة في الرواية ، فلا حاجة إذا إلى غير الرسول من المعصومين ، وهو قد بين الشريعة أحسن تبيين " . ( 3 ) في ( ط ) : " بلى " . ( 4 ) ساقطة من ( ط ) . ( 5 ) في ( غ ) : الأمية ، ولا تخلو كتب الفرق والمقالات قديماً وحديثاً من ذكر بدعتهم ، وأكاذيبهم ، والرد عليها ، ومن أشهرها كتاب منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ، حيث عرض لأدلتهم النقلية والعقلية وأتى عليها من جذورها . ( 6 ) في ( خ ) و ( ت ) و ( ط ) : " وإذا " . ( 7 ) في ( غ ) : " الأمم " . ( 8 ) سورة هود : آيتان ( 118 - 119 ) . ( 9 ) المثبت من ( غ ) و ( ر ) ، وفي بقية النسخ : " وارث " . ( 10 ) في ( خ ) و ( ط ) : " أو مبطل " . ( 11 ) في ( خ ) : " طالبوا " . ( 12 ) والمشهور عن خواصهم إبطان الإلحاد ، وإظهار حب آل البيت ، ليتستروا به ، وإلا =